أبو الليث السمرقندي

392

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم رجع إلى قصة موسى بقوله : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ يعني : كائنة أَكادُ أُخْفِيها يعني : أسرها عن نفسي فكيف أعلنها لكم يا أهل مكة ؟ هكذا روي عن جماعة من المتقدمين ، وهكذا قال ابن عباس في رواية أبي صالح ، وقال القتبي كذلك في قراءة أبيّ أُخْفِيها من نفسي ، وهكذا روى جماعة من المتقدمين . وروى طلحة عن عطاء : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها عن نفسي . وروي في إحدى الروايتين عن أبي بن كعب أنه كان يقول : تقرأ أَكادُ أُخْفِيها بنصب الألف يعني : أكاد أظهرها ، وهي قراءة سعيد بن جبير . قال أهل اللغة : خفى يخفى أي أظهر ، وقال امرؤ القيس : « خفاهنّ من انفاقهنّ كأنما * خفاهنّ من ودق سحاب مركّب » يذكر الفرس أنه استخرج الفأرة من جحرهن كالمطر . ثم قال : لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى يعني : لتثاب كل نفس بما تعمل : ثم قال عز وجل : فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها يعني : لا يصرفنك عنها ، يعني : عن الإقرار بقيام الساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها يعني : من لا يصدق بقيام الساعة وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى يعني : فتهلك ، ويقال : الردى ، الموت والهلاك . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 17 إلى 23 ] وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ( 18 ) قالَ أَلْقِها يا مُوسى ( 19 ) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ( 20 ) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى ( 21 ) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى ( 22 ) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى ( 23 ) ثم رجع إلى قصة موسى عليه السلام فقال عز وجل : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى يعني : أي شيء الذي بيدك أو ما الذي بيدك ؟ وكان عالما بما في يده ، ولكن الحكمة في سؤاله لإزالة الوحشة عن موسى ، لأن موسى كان خائفا مستوحشا كرجل دخل على ملك وهو خائف ، فسأله عن شيء ، فتزول بعض الوحشة عنه بذلك ، ويستأنس بسؤاله . وقال بعضهم : إنما سأله تقريرا له أن ما في يده عصا لكيلا يخاف إذا صار ثعبانا . ف قالَ موسى هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها يعني : أعتمد عليها إذا أعييت وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي يعني : أخبط بها ورق الشجر لغنمي . فإن قيل : إنما سأله عما في يده ولم يسأله عما يصنع بها ، فلم أجاب موسى عن شيء لم يسأله عنه ؟ قيل له : قد قال بعضهم : في الآية إضمار يعني : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ فقال : وما تصنع بها ؟ قال أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي - وقال بعضهم : إنما خاف موسى بذلك لأنه أمره بأن يخلع نعليه ، فخاف أن يأمره بإلقاء عصاه ، فجعل يذكر